- ١٣٢ -

لا يوجد بين الله وبين أحد مخلوقاته مشابهة تامة من كل جهة (وثانيهما) أننا لا نريد بهذه الأمثال أن نبرهن على حقيقة تعليم الثالوث ويجب أن نعلم أن هذا التعليم لا يمكن إثباته إلا بما أعلنه الله فى كتابه ومهما جد الإنسان واجتهد لا يمكنه ولن يمكنه. وقد أثبتنا صحته من الكتاب المقدس وفى هذا كفاية لكل من يؤمن أن الكتاب المقدس موحى به من الله تعالى.

أما غرضنا الآن فهو أن نبين أن التعليم متفق مع ما نتصفحه من موجودات العالم التى حولنا ومن طبيعة الإنسان الداخلية وإذا وجد أحد القراء أنه عاجز عن فهم بعض الإيضاحات التى سنذكرها أو وجدها شيئاً لا يعتد به فنكون قد حاولنا عبثاً أن نزيل هذه الصعوبات التى تعترضه فى سبيل فهم هذا التعليم ولكن فشلنا هذا لا يمنعه من أن يعتقد أن الكتاب المقدس يعلم هذا التعليم. إننا الآن لا نتكلم عما جاء فى الكتاب ولكننا نريد أن نبين أن الطبيعة تعلمنا عن هذا السر الإلهى العظيم وإن اعترض بعضهم بقوله أن الطبيعة لا تعلمنا هذا السر بصراحة تامة فنحن نوافقهم على ذلك لأن غرضنا هنا كما قلنا هو أن نشرح مثله من الطبيعة الحقائق التى أعلنها الله لنا فى كتابه.

أجمع الفلاسفة أن كل موجود له ثلاث نسب أو درجات وهذه

- ١٣٣ -

النسب أو الدرجات هى الذات والصورة والقوة(1) وعلى ذلك يمكنا أن نقول أن كل شىء منظور لدينا أو مدرك بحواسنا ينحصر تحت ثلاث مقولات وهى الكم والكيف والنسبة أو الإضافة(2) إذا فمعرفتنا بهذا الشىء هى معرفتنا لثلاثة أشياء. ولو تركنا كل هذه الأفكار وتأملنا مثلاً فى النار نجد أنها تحتوى على ثلاثة أشياء وهى الحرارة والنور واللهيب وإن كانت هذه الأشياء الثلاثة تختلف عن بعضها ولكنها تكون معاً ناراً واحدة ولا يمكنا أبداً أن نجد ناراً ينقصها شىء من هذه الأشياء الثلاثة. نجد أيضاً أن الشعاعة الواحدة من الشمس تتكون من ثلاثة ألوان هى الحمرة والخضرة والزرقة ولكن جمع هذه الألوان لا تفقد وحدتها فى الشعاعة الواحدة وفى هذه الشعاعة أيضاًَ نجد نوراً وحرارة وقوة كيماوية ولكن وجود هذه الأشياء الثلاثة لا يحول الشعاعة الواحدة ثلاثاً.

إن الإنسان يحتوى على جسد ونفس وروح ( 1 تسالونيكى


(1) والفرق بين هذه وبين تقسيم أرسطو إلى جوهر وشكل ونتيجة فرق طفيف جداً.
(2) لا يخفى أن أرسطو قسمها إلى عشرة لكن تقسيمنا كاف وهو عصرى وبسيط.