١٣٢ الفصل التاسع

3 – رأي يحيى في المتكلمين ، على ما جاء في ردّه على المصري

وفي المناقضة التي جرت بين يحيى بن عدي وأحمد بن محمد المصري68 ، نجد ذكر أبي هاشم الجبّائي ، في المسألة السادسة عشرة69. فقال المصري :

"والمسلمون بأسرهم ، وغيرهم من المتكلمين ، يزعمون أن الخالق لا جوهر ولا عرض ، ومن متقدّميهم من يزعم أن غير الخالق قد يكون لا جوهرا ولا عرضا . فقال الجبائي وغيره : "إن إرادة الله لا جوهر ولا عرض" . وزعم الفوطيّ أن أربعة أشياء ليست جوهرا، ولا عرضا ، ولا موجودة في غيرها ، وهي : خلق الشئ ، وبقاؤه ، وفناؤه ، وإعادته . والاختلاف في هذا كثير70."

وإليك جزءا من رد يحيى على الجبائي ، وغيره من المتكلمين :

"وليس يذهب عليك ، في ظني ، أن اسم العرض عند الفلاسفة وقع على معنى رسموه71 بأنه "الموجود في شئ ، لا كجزء منه" ، وليس يمكن أن يكون قوامه خلوا مما هو فيه .

"والجوهر رسموه بأنه ما ليس هو البتة في موضوع ما ."

"وظاهر أن هذين القولين متناقضان ، يوجب كذبُ أحدهم صدقَ72 الآخر ضرورة"73.

فيتضح من هذا المثال تناقض الكلام والفلسفة . فالفلسفة مبنية على قواعد منطقية ، بينما الكلام غير مبني عليها .

* * *

وفي نفس "المسائل" بين المصري ويحيى بن عدي ، نجد حاشية للصفي بن العسّال ، مُختصِر الكتاب ، في غاية الأهمية . وسبب الحاشية قول المصري : "وأما ما أطلقته في الله (عز وجل) من أنه واحد في الحد والموضوع ، وغير ذلك ، فلا يجوز إطلاق هذه الألفاظ على الله تعالى . فمن أية لغة أخذتَها ؟"


68) راجع الفصل الثالث : "مؤلفات يحيى بن عدي" ص 55 – 56 رقم 127 .
69) لقد نشر جريس سعد خوري هذه المناقضة ، اعتمادا على مختصر الصفي ابن العسال . راجع "يحيى بن عدي . بينه وإثباته على أن لمسيح جوهر واحد" (الناصرة 1978) .
70) انظر المرجع السابق ص 203 (رقم 10 – 12) .
71) في الطبعة : "وسموه" بالتشديد ، مع أن أحد المخطوطين كتبها "رسموه" كما يجب . و"رسم" بمعنى "حد" .
72) أضاف الناشر في الطبعة "و" ، فأصبحت الكلمة "وصدق" ، وهو خطأ . فتبعنا هنا نص المخطوطين .
73) راجع جريس سعد خوري (حاشية 54) ص 204 (رقم 14 – 15) .
مكانة "المقالة في التوحيد" في فكر يحيى بن عدي ١٣٣

فعلّق الصفيّ على ذلك ، قال :

"هذا الرجل كان74 من المتكلمين ، ولم يكن منطقيا . والفيلسوف أحد‍ّ دهاء75 وأكثر علما من المتكلّم . والاصطلاح في العبارة ، بين الفريقين ، مختلف . إلا أن لكلٍ أن يعني بلفظه ما شاء ، إذ كانت دلالة الألفاظ على المعاني وضعيّة ، لا طبيعيّة"76

4 – يحيى "على طريقة الرازي" ، حسب المسعودي

قال أبو الحسن علي المسعودي ، عن أبي زكريا يحيى بن عدي :

"وكان مبدأه أمره ورأيه وطريقته ، في درس طريقة77 محمد بن زكريا الرازي78. وهو رأي الفوثاغوريين في الفلسفة الأولى ، على ما قدّمنا"79.

ومن طرف آخر ، إن المسعودي عاصر الرازي ويحيى بن عدي . فقد تُوفّي الرازي سنة 313هـ/925 م ، والمسعودي سنة 345 – 346ﻫ/956 – 957 م ، عندما كان يحيى ابن عدي قد بلغ الستين من عمره . وعاش المسعودي في بغداد ، حيث كان يحيى مقيما . فلا شك أن مصدر ما ذكره عن يحيى ، هو يحيى نفسه.

وإذ كان لا بد من وجود علاقة بين طريقة (système) يحيى وطريقة الرازي ،


74) سقطت هذه الكلمة في الطبعة ، فأثبتناها من مخطوط الفاتيكان عربي 115 (سنة 1260م) ورقة 236 ﺠ.
75) في المخطوط "احددها" ، ولم يفهمها الناشر . فقال : "اجدها"
76) راجع جريس سعد خوري (حاشية 54) ص 143 ، رقم 37 – 38 من السؤال الأول .
77) "طريقة" تعني "نظام فلسفي"
(système philosophique)
78) بخصوص الرازي (وقد اشتهر في الغرب ، منذ العصور الوسطى ، باسم
(RHAZES) راجع بروكلمن ج 1 ص 233 – 236 والملحق الأول ص 417 – 421 . وراجع خصوصا فؤاد سزكين SEZGIN "تاريخ التراث العربي" ج 3 (ليدن 1970) ص 274 – 294 .
79) راجع المسعودي : "كتاب التنبيه والإشراف" (طبعة
Michael Jan de GOEJE ) .
ليدن 1894 في مجموعة
Bibliotheca Geographorum Arabicorum المجلد 8 .